ردًا على أحمد عصيد: نحن جميعًا في رعاية الله

عبد العلي حامي الدين

نزولا عند رغبة أخينا أحمد عصيد الذي يعيش منذ ثلاث أسابيع حيرة كبيرة، فقد قررت أن أتفاعل مع مقالته التي علق فيها بمجموعة من الأسئلة على بعض العبارات التي وردت في مداخلة لي بلقاء حزبي بآيت ملول طالبا مني أن أجيبه عليها، ومن بين الأسئلة التي طرحها علي أحمد عصيد بكل وضوح:

“إذا كان الله شخصيا بذاته وصفاته مؤيدا لحزب المصباح وراعيا لتجربته السياسية، فلماذا لم يحصل الحزب على أكثر من مليون ونصف ناخب؟

هل صحيح أن ذلك كل ما استطاع الله تعالى تحقيقه لحزب إخواني يضم أعضاء مؤمنين ومخلصين قانتين ؟ أليس الله قادرا على أن يجعل الحزب يحصل على الملايين السبعة من المصوتين المغاربة ويحل بذلك كل إشكالاته ؟ بل وأن يدفع الخاملين من العزوفين عن السياسة إلى التصويت على الحزب الربّاني فيحصل على 24 مليون صوت ؟ وبهذا يقهر أعداءه ومناوئيه بشكل ماحق لا يبقي ولا يذر ؟…”

إلى غير ذلك من التساؤلات التي ربما يعتقد صاحبها انها أسئلة جديدة أو صادمة للعقل المسلم، بغض النظر عن الخلفية التي ينطلق منه والتي لم أستطع فهمها.

ربما يعتقد أحمد عصيد بأن هذه الأسئلة تمثل استفزازا للقناعات الإيمانية والمرتكزات الدينية، بغرض التشكيك في القدرة الإلهية ونفي أي صلة بينها وبين المخلوقين، أو بغرض تحدي المخلوقين بتحدي خالقهم ..

والحقيقة ان هذا النوع من الأسئلة أشار اليها القرآن الكريم في عدد من الآيات على لسان العديد من الأقوام السابقين من بينها قوله تعالى : ” وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا }الإسراء الآية: 90 : 93).

إن مشكلة بعض الناس من أمثال عصيد هي في اعتقادهم المغلوط بأن حزب العدالة والتنمية باعتباره حزبًا سياسيًا ذو مرجعية إسلامية ، فهو يمثل حالة غير عادية، وينبغي أن يتصرف وكأنه يمتلك تفويضاً إلهياً للتحرك في الأرض بقدرة خارقة، ويجب أن يثبت ادعاءه الانتماء إلى المرجعية الإسلامية بتحقيق نتائج خارقة، وبتنصيب نفسه وصيًا على الناس ، على غرار الادعاء الذي كانت تزعمه الكنيسة في القرون الوسطى.

والجواب على هذا النوع من التصورات ، هو الذي جاء به القرآن الكريم: ” سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا “..

ما نحن إلا بشر نحاول أن نساهم في الإصلاح ونكمل مسيرة المصلحين الذين عاشوا في كل زمان ومكان دفاعا عن القيم النبيلة وعن الأخلاق الفاضلة ونستمد العون من الله سبحانه وتعالى.

وربما يكون أحمد عصيد توجه إلي بهذه الأسئلة بخلفية بريئة بحثًا عن الحقيقة بكل بساطة، حقيقة الوجود الإلهي وقدرته وحاجة عقله البشري إلى حجج ملموسة للإيمان بهذه الحقيقة والتسليم بها على غرار قصة الحواريين مع سيدنا عيسى عليه السلام حينما سألوه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، قال تعالى ” إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112)،

ومعلوم أن جواب سيدنا عيسى للحواريين لم يكن تشكيكا في إيمانهم ولكن تذكيرا لهم بحقيقة الإيمان الذي يعني التسليم والانقياد لحقيقة وجود الله والكف عن البحث عن الأدلة الحسية الملموسة.

طبعًا كان مبلغهم من العلم هو البحث عن الأشياء الملموسة من واقعهم فسأل الحواريون سيدنا عيسى مائدة من السماء وسأل كبار قريش رسولنا محمد عليه السلام الأنهار والنخيل والعنب لحاجتهم إليها في مكة..

وعلى هذا المنوال يقوم عصيد بتحدي حزب العدالة والتنمية، ليطرح عليه أسئلته “التعجيزية”وهي مطالبة الخالق بتمكين العدالة والتنمية من الحصول على ملايين الأصوات لإثبات “الرعاية الإلهية له”..

أو ربما يكون السيد عصيد قد وضع هذه الأسئلة “الكبرى”لتمرير عبارات السخرية المصحوبة ببعض المغالطات السياسية” الصغيرة ” مثل “أكذوبة تاسيس آلاف الجمعيات ودعمها بأموال الوزارات التي يسيرها العدالة والتنمية ” وهذا النوع من البهتان الذي يفتقر إلى أدلة أصبح أسطوانة مشروخة اعتاد على تكرارها كل العاجزين على خلق شروط منافسة سياسية حقيقية على أرضية مشاريع وبرامج تعددية ملموسة لمنافسة العدالة والتنمية ولذلك يلجؤون إلى زرع “توابل” الأخبار الكاذبة ونشر الإشاعات المغلوطة والاستنجاد بقاموس من الاتهامات الخيالية لتفسير هزائمهم الانتخابية المتكررة، أما إذا كانت هذه الادعاءات صحيحة فإن مكانها الطبيعي هو أروقة المحاكم وليس أعمدة الصحف والمواقع.

وبالعودة إلى تصريحي بآيت ملول، وبغض النظر عن لعبة انتزاعه من سياقه أريد أن أطمئن السيد عصيد، بأن هذا العبد الضعيف إلى جانب إخوانه في حزب العدالة والتنمية ينطلق في عمله السياسي من المرجعية الإسلامية ويعتز بالانتماء إليها، ومن مقتضيات هذه المرجعية الإيمان بالله وبقدرته الجبارة على أنه إذا “أراد لشيء أن يقول له كن فيكون”، وأن رحمته وسعت كل شيء: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ”، وأريد أن أؤكد له بأن رحمة الله ومعيته يستحضرها عباده المؤمنين ويلمسونها في حياتهم اليومية ويشكرون الله عليها حتى يزيدهم من فضله” لئن شكرتم لأزيدنكم”.

ولكل فرد مؤمن علاقته الخاصة مع الله يفهم أسرارها جميع المؤمنين بالله المتيقنين من عظمته وقوته وقدرته التي أحاطت بكل شيء، والمؤمنين أيضا بأن الدار الآخرة هي آتية لاريب فيها وهي الحياة الحقيقية بالنسبة للإنسان المسلم،”يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (غافر : 39)”

هذا الشعور هو ملازم للإنسان المؤمن ويستحضره في حياته اليومية بمختلف مناشطها سواء كان في المسجد أو في المعمل أو في الجامعة أو في الحزب أو في البرلمان وليس فقط حينما يقبل على الصلاة أو يختلي بنفسه لذكر الله…

وأعتقد بأن التسليم بهذا التصور فيه الجواب الأوفى على مجموعة من الأسئلة التي طرحها السيد عصيد في قالب من البوليميك الذي لا يصح مع الله ذو الجلال والإكرام. وأكتفي بهذا القدر لأعود إلى بعض المغالطات التي “زرعها ” السيد عصيد وسط المقال، والتي تبدو هي مراده الحقيقي وراء أسئلته السجالية.

أولا، قلتم بأن لقاء آيت ملول كان لقاء “من أجل الدفاع عن منتخبي الحزب الملاحقين بتهم فساد مالي”، وهذا غير صحيح، بل كان لقاء داخليا محضا للتواصل مع أعضاء الحزب، ولَم يكن مخططا له من قبل بل جرى ترتيبه في آخر لحظة، وأنا في طريق العودة إلى مطار أكادي بعد جولة تأطيرية ناجحة بجهة كلميم واد نُون، أما ما سميتموه بتهم فساد مالي فلا وجود له إلا في ذهنك وفِي ذهن من أصيبوا بفوبيا العدالة والتنمية التي تسير جميع جماعات هذا الإقليم وتحتل جميع المقاعد التي تمثله في البرلمان، وإذا كان من شيء نجحت فيه فهو معركة النزاهة الأخلاقية وشفافية تدبير المال العام، وهي نقطة قوة، أعرف جيدا أنها تقض مضاجع الكثيرين، وأريد أن أهمس في أذنك لأقول لك بأن حزب العدالة والتنمية لا يتضامن مع من ثبت في حقه نهب المال العام من أعضائه بل يعرضه للمساءلة والمحاسبة داخل لجنة النزاهة والشفافية للحزب التي يترأسها الأستاذ المحترم المصطفى الرميد.

ثانيا، لقد قلتم بأنكم لن تكذبونني وستنطلقون من “أن كلامي صحيح لا يأتيه الباطل “، وذلك حينما قلت في معرض التقييم الإيجابي لمسيرة الحزب بأنها تمثل “معجزة حقيقية في الحياة السياسية المغربية”. وأنا لا أعتبر كلامي حقيقة مطلقة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولكنه مجرد رأي معزز بالأدلة الواقعية، وهذه الأدلة استشهدت بها في كلمتي بشكل مفصل ولكن البعض أراد التركيز فقط على جملة ” تجربة يرعاها الله مادام فيها أناس مخلصين…” ( فهي رعاية مشروطة بتوفر عنصر الإخلاص والصدق والنزاهة والاعتدال والشورى ..)ولكي أعفي السيد عصيد من حيرته فإن الأدلة التي قدمتها للبرهنة على ما سميته”معجزة” العدالة والتنمية، هي أدلة مادية ملموسة، أكتفي بذكر بعضها:

نجاح الحزب في التدبير من موقع المسؤولية رغم حداثة تجربته الحكومية، وهذا النجاح أكده الشعب المغربي في محطتي 4 شتنبر 2015 و7 أكتوبر 2016 .

نجاح الحزب في امتحان الوحدة التنظيمية واحترام الديموقراطية الداخلية وذلك حينما نجح في تنظيم مؤتمره الوطني في ظروف صعبة وفِي ظل تقاطب داخلي حاد أفرز أميناعاما منتخبا بالاقتراع السري بنسبة 51% لأول مرة في تاريخ الحزب، ومع ذلك فإن الباقي أي 49% سلموا بنتائج الانتخابات الداخلية ولا أحد منهم طعن في مشروعية الأمين العام للحزب الدكتور سعد الدين العثماني والجميع اصطف وراءه، وهذا درس ديموقراطي كبير فشلت فيه تجارب حزبية أخرى انتهت إلى الانشقاق والانشطار الذي لازال متواصلا..طبعًا، كان اختلافنا اختلافًا سياسيًا ولم يكن صراعًا على اقتسام ملايين الدراهم المكتسبة من بيع التزكيات الانتخابية كما حصل في تجربة الحزب المعلوم…!

نجاحه في الاستحقاق الانتخابي ليوم السابع من أكتوبر 2016 ، وانتصاره على كافة المكائد والمؤامرات والألاعيب التي حيكت ضده، ولا يمكن للمغاربة نسيان المسيرة المشبوهة التي نظمت بالدار البيضاء والتي اشتهرت بمسيرة ولد زروال بغرض خلق حالة مصطنعة من الغضب الشعبي ضد حزب العدالة والتنمية ومن أجل دعم الحزب المعلوم الذي انتهى إلى ما انتهى إليه، وفشل حتى في إتمام الجلسة الافتتاحية لمؤتمره الوطني الأخير ..

فشل حملات التشهير التي تشن يوميا ضد رموزه وقياداته من طرف العديد من المواقع الصفراء الموجهة من طرف جهات منظمة ولا حاجة للتذكير أيضًا بالشكايات الكيدية المتواصلة التي تجد طريقها سالكًا أمام القضاء ..!

حفاظه على منسوب عالي من المصداقية والمقبولية الشعبية رغم حملات التبخيس والتشويش، وتبديده للكثير من الكليشيهات والصور النمطية التي حاول الإعلام الموجه رسمها عليه، وها هو يقود الحكومة للمرة الثانية ويحظى بثقة جلالة الملك كما يحظى بثقة فئات واسعة من الشعب المغربي.

هذا المسار التصاعدي، وهذا الصمود البطولي ، وهذا النجاح الحزبي المنقطع النظير في التجربة المغربية على الأقل، هو الذي سميته ب”معجزة العدالة والتنمية” الذي كان مهددا بالحل في يوم من الأيام.. وقد تحقق هذا الصمود بفضل تضحيات جسام قدمها ولازال يقدمها مناضلو ومناضلات العدالة والتنمية من أوقاتهم وأموالهم وعلى حساب راحتهم وسمعتهم، وبفعل أيضا نضج قياداته وقواعده على تغليب روح الحوار والتوافق في اللحظات الصعبة على روح التعصب والأنانية، وهنا لا يفوتني التذكير بالموقف التاريخي للأستاذ عبد الإله بنكيران ودوره في إنجاح محطة المؤتمر الوطني وهو اليوم معزز مكرم ليس بين إخوانه فقط في العدالة والتنمية ولكن في الذاكرة الجماعية للشعب المغربي برمته، وهذا هو الأهم..

كل ذلك لم يكن ليتحقق إلا بتوفيق من الله ورعايته.

لقد تساءل السيد عصيد في مقاله عن نهاية الرئيس المصري الراحل محمد مرسي وعلق عليها بقوله: “إن نهاية مرسي نفسه لا تبدو نهاية من يؤيده الله ويحرسه ويرعاه ؟ فما تفسير ذلك يا ترى ؟”.

بغض النظر عن الفهم المنحرف الذي يصور بها السيد عصيد رعاية الله وتأييده، وبغض النظر عن روح الشماتة التي تشتم من التعليق، فإن تفسير ذلك ياسيد عصيد، هو أنه عندما تنجح حركة أو حزب ذو مرجعية إسلامية في المصالحة بين الإسلام والديموقراطية فإنها تتعرض لتكالب العالم بشرقه وغربه…وهذا موضوع آخر..فبغض النظر عن الأخطاء السياسية التي من الممكن أن يكون قد وقع فيها مرسي ومن معه، فلا يمكن وصف نهاية رئيس منتخب بطريقة ديموقراطية بأنه فاشل أو أنه كان يستند على قيم هشة، وقد أصبح مكانه محتلًا من طرف نظام سياسي وصل للسلطة عن طريق انقلاب عسكري ويصنف من ضمن أعتى الأنظمة دكتاتورية في العالم…لكن مثقفي آخر الزمان لا بصيرة لهم لرؤية الاستبداد والفساد ولا جرأة لهم على انتقاده..

صديقي عصيد

ها نحن نواجه وباء عالميا إسمه فيروس كورونا تجندت له الدول بإمكانياتها وقدراتها، لكن أعتى الحكومات والدول في العالم بما فيها الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية لجأت في النهاية إلى شعوبها تطلب منهم الصلاة والتضرع إلى الله …لأننا جميعًا في رعاية الله .

وأخيرا دمت في رعاية الله ياسيد عصيد وحفظنا الله وإياك من وباء كورونا اللعين.