شيخي: قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى العمومية إحدى الضمانات الأساسية للحريات العامة

من خلال متابعتي لمحاكمة الأخ عبد العلي حامي الدين التي تم تحريكها بطريقة ظالمة تمس بالأمن القضائي ببلادنا، في إطار ملف قضائي مشمول بسبقية البت يعود لسنة 1994 (أي منذ ربع قرن من الزمان) صدر بشأنه حكم نهائي حائز لقوة الشئ المقضي به، اطلعت على بعض الكتابات القانونية الرصينة، التي تناولت موضوع قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى العمومية، من بينها ما كتبه الدكتور محمد نجيب حسني، أستاذ القانون الجنائي ورئيس سابق لجامعة القاهرة، في الموضوع سنة 1977. ومن بين ما استوقفني في كتابه القيم ربطه بين قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى، وبين اعتبار هذا الإنهاء إحدى الضمانات الأساسية للحريات العامة، حيث ورد به ( الطبعة الثانية – دار النهضة العربية)، مايلي:

” ويهيئ الحكم الحائز قوة إنهاء الدعوى السبيل لكي تبلغ الدعوى غايتها الاجتماعية، فغاية الدعوى هي حسم النزاع، وإحلال مركز مستقر محل مركز قلق، ولا سبيل لبلوغ الدعوى هذه الغاية إلا إذا أنشأها الحكم الصادر فيها، فلم يدع بعد ذلك محلا لنزاع أو قلق في مركز أحد أطرافها، وعلى هذا النحو يتضح أن الاعتراف للحكم بقوة إنهاء الدعوى مرتبط بغاية الدعوى نفسها” (ص. 25)

” وتعد قوة الحكم الجنائي في إنهاء الدعوى الجنائية إحدى الضمانات الأساسية للحريات العامة: ذلك أن جوهر فكرة الحريات العامة هو حصر نفوذ السلطات العامة في مجال محدود، والاعتراف للفرد بحصانة ذات نطاق مرسوم، ويناقض هذه الفكرة أن يكون ارتكاب شخص جريمة فرصة لاتخاذ الدولة إجراءات لا تنتهي قبله وتوزيعها عليه عقوبات غير محصورة في عدد معين، إذ لن تكون هذه الإجراءات والعقوبات غير سلاح للاستبداد والعصف بالحريات. ومن تم كانت ضمانات الحريات العامة مقتضية أن يقيد تدخل الدولة عند ارتكاب جريمة باتخاذ الإجراءات التي يحددها القانون، فإن انقضت بحكم بات انقضى كذلك سلطان الدولة الناشئ عن الجريمة، ولم يعد لها سبيل على المسؤول عنها سوى تنفيذ ما يقضي به هذا الحكم، وبعد ذلك تكون له حقوقه وحرياته قبل الدولة، وهذا عين ما تقرره قاعدة انقضاء الدعوى الجنائية بالحكم الصادر فيها” ( ص. 26)

إنها قضية حسمها فقهاء القانون منذ زمن بعيد، لكن لا زال البعض، للأسف الشديد، مصرا على ارتكاب اخطاء قاتلة بشأنها، تسيء إلى العدالة، وتسيئ للأمن القضائي، وتسيء في نفس الوقت لصورة بلدنا.